الشوكاني

407

فتح القدير

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) قال : نبتليكم بالشدة والرخاء ، والصحة والسقم ، والغنى والفقر ، والحلال والحرام ، والطاعة والمعصية والهدى والضلالة . سورة الأنبياء الآية ( 36 - 43 ) قوله ( وإذا رآك الذين كفروا ) يعني المستهزئين من المشركين ( إن يتخذونك إلا هزؤا ) أي ما يتخذونك إلا مهزوءا بك ، والهزؤ السخرية ، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم - إنا كفيناك المستهزئين - والمعنى : ما يفعلون بك إلا اتخذوك هزؤا ( أهذا الذي يذكر آلهتكم ) هو على تقدير القول : أي يقولون أهذا الذي ، فعلى هذا هو جواب إذا ، ويكون قوله ( إن يتخذونك إلا هزؤا ) اعتراضا بين الشرط وجوابه ، ومعنى يذكرها يعيبها . قال الزجاج : يقال فلان يذكر الناس : أي يغتابهم ، ويذكرهم بالعيوب ، وفلان يذكر الله : أي يصفه بالتعظيم ويثني عليه ، وإنما يحذف مع الذكر ما عقل معناه ، وعلى ما قالوا لا يكون الذكر في كلام العرب العيب ، وحيث يراد به العيب يحذف منه السوء ، قيل ومن هذا قول عنترة : لا تذكري مهري وما أطعمته * فيكون جلدك مثل جلد الأجرب أي لا تعيبي مهري ، وجملة ( وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) في محل نصب على الحال : أي وهم بالقرآن كافرون ، أو هم بذكر الرحمن الذي خلقهم كافرون ، والمعنى : أنهم يعيبون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء : والحال أنهم بذكر الله سبحانه بما يليق به من التوحيد ، أو القرآن كافرون ، فهم أحق بالعيب لهم والإنكار عليهم ، فالضمير الأول مبتدأ خبره كافرون ، وبذكر متعلق بالخبر ، والضمير الثاني تأكيد ( خلق الإنسان من عجل ) أي جعل لفرط استعجاله كأنه مخلوق من العجل . قال الفراء : كأنه يقول بنيته وخلقته من العجلة وعلى العجلة . وقال الزجاج : خوطبت العرب بما تعقل ، والعرب تقول للذي يكثر منه الشئ خلقت منه كما تقول : أنت من لعب ، وخلقت من لعب ، تريد المبالغة في وصفه بذلك . ويدل على هذا المعنى قوله - وكان الإنسان عجولا - والمراد بالإنسان الجنس . وقيل المراد بالإنسان آدم ، فإنه لما خلقه